يحيى العامري الحرضي اليماني
415
غربال الزمان في وفيات الأعيان
خائبين ؛ فتمكن حبه من قلوب أهل الجبل . وأكد ذلك أنه قد كان واطأ رجلا من علماء أصحابه وفصحائهم ، وأمره أن يدعي العجمة واللكنة بحيث لا يحسن شيئا مدة قيامه عندهم ، ثم أمره أن يصلي الصبح ويظهر معرفته دفعة واحدة في صورة منام لقنه إياه يتضمن كرامة ومعجزة للداعي ، وفيها اختلاف كثير ودعاوى تدل على الزندقة وفساد الدين ؛ فتمكن حينئذ من قلوب أهل الجبل ، واجتمعت كلمتهم عليه ؛ فجهز جيشا قدر عشرة آلاف فارس وراجل فيهم عبد المؤمن والرائي للرؤيا ، فحاصروا مراكش شهرا ، ثم كسروا كسرة شنيعة ، وقتل منهم خلق كثير فيهم الرائي للرؤيا ، وسلم عبد المؤمن . فلما ورد الخبر لابن تومرت وهو في مرض الموت أوصى وصية إلى أصحابه أن العاقبة لهم ، والحرب سجال ، في كلام طويل . ثم توفي في الجبل ، وصار قبره مزارا عظيما . وكان أسمر ربعة عظيم الهامة ، حديد النظر ، قيل : وكان له معرفة بالرمل ، قدمه في الثرى وهمته في الثريا . ثم استقبل عبد المؤمن الفتوحات ، فأخذ تلمسان ، ثم فاس ، ثم مراكش ، وامتد ملكه إلى أقصى المغرب . انتهى ما ذكره صاحب الأصل من قصة تومرت مختصرا لفظها . وحاصلها العجب من تناقض أحوال هذا الرجل ، حيث وصفه بالعلم والزهد ، والإنكار دائبا على كل حال ، والمذهب السني مع الورع بحيث لا يأكل دائما إلا من غزل أخت له ، وتم على ذلك حتى مات ، مع التزوير في المنام المذكور بما لا يسوغ ذكره ، والخروج على هذا السلطان الموصوف بالعدل وحسن السيرة ، مع الإقدام على الحروب الهائلة والملاحم العظيمة ، واللّه أعلم ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ولقد عجبت من صاحب الأصل حيث حكى أنه ما أخذ ذلك إلا من كتاب ( الجفر ) « 1 » المنسوب إلى جعفر الصادق على زعم الباطنية ، وفيه جميع ما يحتاجون
--> ( 1 ) في النسختين : الجفرة .